rerfrfr

التقنيات الحديثة والسلوكيات الجديدة للقراءة

 _234
على الرغم من دور التقنيات الهائل في نشر المعرفة وتعميمها في عصرنا، إلاّ أن التأثيرات الجانبية الخطيرة لتلك الظاهرة ما فتئت تتعاظم هي الأخرى.
العرب محمد حياوي [نُشر في 11/06/2016، العدد: 10303، ص(16)]
حسب أكثر المصادر مصداقية فإن أوّل مطبعة دخلت العالم العربي هي مطبعة حلب في العام 1702 على أيدي البطاركة الشرقيين، وكان الهدف منها آنذاك طباعة التعاليم المسيحية والتبشيرية، في وقت كانت تُشكّل الطباعة فيه ما يوازي اكتشاف الإنترنت في عصرنا الحالي، لكن على الرغم من ذلك، ألهم دخول تلك المطبعة البدائية خيال البعض من المثقفين والكتّاب وحفّزهم للانتقال بمشروعهم الإبداعي إلى الآخر بوسيلة مبتكرة هي الصحيفة أو الكتاب آنذاك.

في الحقيقة أحدثت المطابع لاحقاً انقلاباً هائلاً في طريقة التفكير وآليته وطبيعة اقتصاديات الطباعة والتوزيع وكيفية نشر المعرفة في أوساط الجمهور، وعلى الرغم من بدائيتها وبطئها، إلّا انّها كانت أداة فعّالة ومتأنية مررت الأفكار والعلوم والمعارف بتؤدة وحذر، فتقبّلها الجمهور بسلاسة وتناغم معها واستوعبها، بل إنّها نمّت لدية الرغبة في البحث والمتابعة، وكان ذلك التأثير مزدوجاً في الحقيقة، على كل من الكتّاب والجمهور عل حدٍّ سواء.

في القرون اللاحقة حتّى القرن العشرين، كان الأمر يجري ويتطوّر تلقائياً وبانسيابية مناسبة لقدرة تقبل الجمهور ومواكبته لتلك الوسائل التي ما فتئت تبتكر أشكالاً جديدة باستمرار، لكن حتّى تلك الحقبة لم يفقد الجمهور قدرته على التركيز ولم يترك نَفَسه الطويل والمسترخي في القراءة والاطّلاع، حتى حدثت ثورة التقنيات الجديدة في عصرنا الحالي التي جعلت الأفراد يجرون لاهثين لمواكبتها وامتلاك متطلباتها الآخذة بالتزايد والتعقيد مع مرور الوقت، وباتت الكتابة والممارسات الإبداعية تواجه التحديات بعد التحديات، وراح الأفراد يفقدون قدرتهم التأملية السابقة، واستلبت أوقاتهم التقنيات الجديدة.

وعلى الرغم من دور تلك التقنيات الهائل في نشر المعرفة وتعميمها في عصرنا، إلاّ أن التأثيرات الجانبية الخطيرة لتلك الظاهرة ما فتئت تتعاظم هي الأخرى، وباتت الثقافة بشكل عام والأدب على وجه الخصوص يعاني من التغير المستمر لشكل الوسائل الناقلة، بعد أن تراجعت الصحف، التي ظلت لعقود طويلة تشكّل تقليداً ثابتاً.

واتسعت رقعة البث التلفزيوني بعد دخول الأقمار الصناعية وتقنيتها المهولة لتوصيل ذلك البث إلى أقصى بقاع الأرض، وتراجعت مبيعات الكتب، وبدأ القارئ يفقد صبره المتعارف عليه في عملية القراءة التي كانت سلوكاً تحكمه معايير وتقاليد عدة، بعد أن أفسدت مواقع التواصل الاجتماعي قدرته على القراءة التأملية، وأصبح ميّالاً للنصوص القصيرة والخاطفة، حتى صار الأمر يتطلب مراجعة منهجية لمفهوم الكتابة والعلاقة بين الكاتب والقرّاء بما يتناسب والسلوكيات الجديدة لعملية القراءة، بعد أن صارت الروايات الطويلة على سبيل المثال تشكّل عقبة حقيقية أمام القارئ المعاصر، وتسهم في الحد من عملية انتشار الكتاب وانحسار رقعة القرّاء وتناقصهم.
ولا أتحدث هنا عن شريحة القرّاء الذين مازالوا مخلصين لقضية القراءة تقليدياً، لا سيما من الأجيال السابقة، بل عن شريحة القرّاء عموماً، وبات التكثيف والابتعاد عن الترهل والغموض واللعب باللغة أو الشكل مطلوبين في جميع الأحوال للكثير من الكتّاب، وهما عملية صعبة بالنسبة إلى هؤلاء الذين اعتادوا كتابة المطوّلات التي تتجاوز الخمسمئة أو الستمئة صفحة.
وبرزت مشكلات تقنية بحتة تشكّل ما يشبه التحديات أمام الكثير من الكتاب المعاصرين، كما أن الكثير من الناشرين أدركوا طبيعة المزاج الجديد للقرّاء فباتوا مياّلين للروايات القصيرة، على الرغم من أنّهم راعوا إصرار بعض الكتّاب المعروفين أو المكرّسين على كتابة المطوّلات، ومن جانب آخر، ولإدراكهم لضرورة التغيير البطيء على مراحل، راعوا حجم الكتاب وضخامته باستخدام الورق الإسفنجي الذي يمنح الكتاب ضخامة مناسبة على الرغم من قلة عدد الصفحات التي ينبغي ألا تتجاوز المئتين أو الثلاثمئة صفحة في أحسن الأحوال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>