165747_122479594490036_1883114_n

في الطريق لليبرالية الديمقراطية ومفهوم الإيمان

165747_122479594490036_1883114_n
راغب الركابي

عنوان هذا المقال أخذناه من سؤال جاءنا من صديق يسأل فيه وبعدما أطلع على كتابنا – الطريق إلى الليبرالية الديمقراطية – عن الإيمان والليبرالية الديمقراطية ومابينهما من المشتركات ، وكتابنا هذا صدر في بيروت عن مؤسسة العارف للمطبوعات ، وللوهلة الأولى فهمت إن السؤال يتناول في مضمونه العام البنية المعرفية لإيمان الليبرالي وهل هو واقع بالفعل ؟ وكيف يكون ذلك ؟ ، ولأن الجواب عن ذلك يتطلب إحالة الكتاب نفسه ، لكننا نظن إن هناك طائفةً من الناس تتصور وتتعتقد بأن الليبرالي لا يؤمن بالله ولا بالغيب ، وتلك نظرة غير صحيحة وغير عاقلة وغير منطقية بل وفيها من التآمر والدس الشيء الكثير ، وذلك لأن الليبرالي الديمقراطي حين يستند في مقولاته عن الحرية وعن حقوق الإنسان ، إنما يستند في ذلك على الإيمان في نفسه بهذه الأشياء ، والإيمان بالمفهوم الليبرالي الديمقراطي واحد لا يتجزء ، كما إن الليبرالي الديمقراطي في تحليله للكون والحياة يستند في ذلك على الإيمان طبعاً الإيمان العقلي ، والإيمان العقلي هو إيمان يكون من منظور فردي وفهم فردي لا من منظور جماعي أو فهم جماعي ، والفهم الفردي : الذي نقصده يرتبط ويتعلق بمسألة الحرية والإختيار ودرجة الوعي والوسائل التي يستخدمها هذا الفرد فيما يؤمن به وفيما يعتقد به ، ولهذا يدفع الليبرالي الديمقراطي ويطرد الفهم الجماعي للأشياء من وحي ذلك ، بإعتبار ذلك الفهم أعني – الجماعي – يرقى لمعنى الدكتاتورية والإستبداد ومن هنا يكون الإجماع كذلك ، وهذه هو النقيض الطبيعي لليبرالية الديمقراطية ، ثم إن مفهوم الإيمان هو مفهوم نسبي ، وليس مفهوماً مطلقاً ، ولذلك لا يمكن جعله عاماً و بنفس الدرجة ، وذلك لطبيعة التفاوت في المتلقيات والأدوات والعقل القادر على الفهم والتحليل .

ونحن في – الحزب الليبرالي الديمقراطي العراقي – أقمنا علاقتنا بالأشياء مهما علت أو تدنت على العقل ومايؤمن به ومايؤسسه ، واعتبرناه الأساس الذي لا يتبدل ولا يستغنى عنه في عملنا ، ونظرتنا العقلية تلك أردناها من خلال تعميمها لتكون في متناول الجميع ، وفكرياً في هذا المجال نقول : إن بعض نظرتنا للإيمان يغلفه دائماً المعنى العقلي ، ذلك لأن هذه النظرة العقلية أساسها معنى الحياة الإنسانية برمتها ، والتي تقوم على ذلك منذ البدء ، يعني منذ زمن ذلك التدافع من أجل العيش والحياة بين البشر ، وبنفس درجة الوعي تلك نقول : إننا لا نستطيع طرح قضية الإيمان بالغيب جانباً لما لذلك من تداعيات تاريخية وإنسانية نحس بها ونستشعرها ، ومن يطرح ذلك في المجال السياسي حتما ستُصيبه بشيء من اللاتوازن واللاإنتظام ، وهذا الذي نقوله ينطلق من واقعيتنا السياسية التي نتحدث عنها دائماً ، ونؤمن بها كإيماننا بذل التمايز في الطبيعة بين ما هو سياسي وما هو فكري .

نعم إن مفهوم الإيمان الذي ورد في كتابنا – الطريق إلى الليبرالية الديمقراطية – ، إن دقق به صديقنا السائل ، سيجد إننا هناك قد كثفنا الحديث ووسعناه عن الإيمان لا من وجهة نظر سياسية فقط ، بل لأننا نعلم إستحالة تحقيق أهدافنا إن فُقد الإيمان من حياة الأفراد ، ولإيماننا كذلك بإستحالة تحقيق حلمنا ببناء الدولة المنشودة من غير الإيمان هذا ، وهذا دليل على إننا لا نجرد الناس من إيمانهم ، بل إننا نؤكد على أهمية الإيمان الفردي وليس الجماعي ، يعني إننا نؤكد على إستقلالية عقل الفرد من عقل الجماعة ، وإستقلالية العقل هذا يجعل للإختيار معنى ويجعل لكل فرد إحساس بمسؤولياته وشخصيته ، ويعلم صديقنا إيضاً : إن الليبرالية الديمقراطية تحترم فكرة الأمة في صيغة المتشكلة من الوعي المنفصل وليس من الوعي الجمعي المفروض ، وفكرة الأمة المتكونة بالإختيار الذي يتم بعد الإيمان بها ، وهذا هو شرطنا في أن لا نكون أمة مجزئة أو أمة مستغفلة ومستضعفة ، والتأكيد منا في فردانية الوعي وفي فردانية الإيمان له علاقة بمفهوم – كل نفس بما كسبت وكل أمرء بما كسب – ، وهذا يكون أكثر وضوحاً في صراعنا ضد الجهل والتخلف وفرض الأفكار والإيمان الزائف بالحقيقة المطلقة ،

والايمان الزائف لا يستطيع أحد ان يفخر به ، لأنه لن يكون نابعاً من أعماقنا ومن خياراتنا ومن فهمنا ، والإيمان الزائف نجده هناك في التلوث الفكري الذي يبثه خطباء فاسدون وسياسيون فاشلون ، وهو الذي يؤثر سلباً في قدرة عقول شابابنا وشاباتنا في إختياراتهم ومواقفهم ، إن الليبرالية الديمقراطية كما في الطريق إليها كشفت زيف أدعياء الحرية وأدعياء العقل وأدعياء الفكر ، وكشفت رخص السياسة السائدة في بلدنا ورخص السياسين الفاشلين الإنتهازيين ، كما وأشارت إلى إن الطريق إلى الحرية يكون ليس بأدعاء المثالية والتطفل على الواقع من خلال الضرب على وتر الطائفية الموهومة والديمقراطية الزائفة ، والتي زيفت نضال العراقيين مثلما زيفت حقيقة الإيمان بالتغيير .

أيها الصديق العزيز ، كتابنا لم يقلل من شأن الإيمان ولا من شأن الغيب لكنه دعى فيه لجعل طريق تنمية الواقع يكون بتطوير العقل ، وفسح المجال أمامه ليكون حراً بالفعل ، وهذا مبدأ أعتمدناه وهناك ثمة فرق أساسي بين المبدأ كروح و المبدأ كذهن ، ومبادئ الليبرالية الديمقراطية هي مبدأ روحي وليس ذهني وحسب ، وتجربتها ليست تاريخية بالمعنى الحرفي ، بل هي روح نشأة وتكونت مع الحياة نفسها ومع الإنسان نفسه حين تحول بفعل عقله ليكون كذلك .

إن طريقنا نحو الليبرالية الديمقراطية هو طريق طويل ويحتاج منا التعرف عليه جيداً ، يعني فسح المجال لعقولنا كي تدخل ساحته من غير الإعتماد على مايبث ومايؤثر في وعلى منظومة عقولنا الذاتية الفردانية ، وعقلنا الذاتي إن تمسكنا به فهو كلمة السر التي تجعل من طريقنا نحو الليبرالية الديمقراطية صحيحاً وسالماً ومُعافى ، وهذا الذي نقوله في الإعتماد على العقل وتحريره من سلطات الجماعة هي الميزة التي تميزنا نحن الليبراليون الديمقراطيون ، وذلك ليس إدعاء ولكنه واقع نعيشه وندعوا له ، وهو الذي يجعل من إيماننا راسخاً ومتميزاً عن غيرنا ..

راغب الركابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>